سامي كليب
حين تشتعل الحروب، يسأل الناس: من ربح؟ ومن خسر؟ لكن هناك حروبًا لا تُنتج فائزاً واحداً… بل تجعل الجميع خاسرين. حرب إيران وأمريكا وإسرائيل التي انطلقت في الثامن والعشرين من فبراير الماضي… لم تكن مجرد معركة على من يمتلك السلاح النووي أو الصاروخي. كانت، وبكل بساطة، حرباً على الطاقة والغاز والنفط وعلى سعر الخبز وطرق العبور … وإذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد رفع شعار أنهاء الحروب واستقرار العالم والتحول الى عالم أكثر أمنا، فها هو جزء كبير من هذا العالم يعيش ويلات هذه الحرب التي تفقد يومًا بعد آخر إمكانية السيطرة عليها وضبطِها، وتتحول إلى ساحة استنزاف مفتوح. ولذلك فبعد خمسة أسابيع من القصف والتدمير والتشريد، لم يعد السؤال: من الذي سينتصر؟ بل: من الذي يوقف الخسارة قبل أن تبتلع هذه الحربُ الجميع؟”
“في البداية، كانت الأهداف الأميركية تبدو واضحة وحادة. البيت الأبيض تحدث عن تدمير البرنامج النووي و القدرات الصاروخية الإيرانية، وشل البحرية، وقطع الطريق على من يصفهم بوكلاء أو أذرع إيران في المنطقة، ثم كاد غرور القوة عند ترامب ونتنياهو يصل الى حد الاعتقاد باسقاط النظام الإيراني بسهولة، تماما كما كان غرور القوة عند إيران يقول على مدى عقود طويلة إنها ستقضي على إسرائيل .
لقد فشل ترامب ونتنياهو حتّى الآن في فرض استسلام إيراني سريع، يسمح لسيد البيت الأبيض بإعلان نصر كبير قبل أن تلتهم الحرب اقتصاده الداخلي.كما فشل نتنياهو في فرض استسلام كان يعتقد سهلا على حزب الله بعد أن قتل في الحرب الأولى معظم قادته ودمّر على مدى عام ونصف معظم قدراته، أو هكذا اعتقد.
إسرائيل، التي دخلت الحرب على متن الأهداف الأميركية، كانت تفكّر بحسابات أخرى. رئيس وزرائها الحالم بإقامة إسرائيل الكبرى من البحر الى النهر كما قال مرارًا، راح يتحدث عن ‘إحباط تهديدات وجودية’، بل راهن في البداية على سيناريو انهيار النظام الإيراني من الداخل خصوصا بعد قتل المُرشد السيد علي خامنئي، وعلى انهيار سريع لحزب الله . لكن بعد أقل من أسبوعين، بدأت النبرة تتغير. إسرائيل أقرت ضمنياً بأن النظام الإيراني قد لا يسقط، وانتقلت إلى هدف أكثر تواضعاً وأشد كلفة: تدمير القدرات العسكرية المباشرة، مع توسيع العمليات في جنوب لبنان لإنشاء منطقة عازلة.
باختصار: تحول الحلم الاستراتيجي إلى إدارة حرب مفتوحة بلا نهاية واضحة، تماما كما تحوّلت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران الى فخ استنزافي طويل الأمد.
عسكرياً، من المفترض أن من يملك التفوق الجوي والبري يملك القدرة على توجيه ضربات مؤلمة. واشنطن تقول إن البحرية الإيرانية فقدت أكثر من نصف أسطولها، وأن قدرات إيران الصاروخية تقلصت بشدة. لكن هل يستطيع ترامب ونتنياهو ان يقدما هذا الأمر على أنه نصر استراتيجي؟
“مضيق هرمز ما زال مهدداً. إيران ما زالت قادرة على زرع الألغام، واستهداف الناقلات، ورفع كلفة الحرب العالمية. حتى في لبنان، ورغم الخسائر الكبيرة في صفوف حزب الله – أكثر من 1300 قتيل ومليون نازح – فإن الجبهة البرية ما زالت صامدة وتكبّد جيش الاحتلال خسائر يوميّة، ولذلك وسّع نتنياهو حربه من تدمير معظم قرى جنوب الليطاني الى تدمير قسم من الضاحية والبقاع واستهداف قلبِ بيروت أكثر من مرة ، وهو سيرفع أكثر مستوى الاستهداف . بمعنى آخر إن القدرة الإسرائيلية على الإيذاء باقي وتتوسع لكن والقدرة على الحسم الكامل غائبة.”
“لكن إذا انتقلنا من أصوات المدافع إلى أوضاع البشر… هناك مشهد آخر. في إيران، أكثر من 1900 قتيل، ونحو 21 ألف جريح. الاقتصاد الإيراني، الذي كان يعاني أصلاً من العقوبات، قد يتراجع نموه بنحو 9 إلى 10 نقاط مئوية، وما بين 3.5 و4 ملايين إيراني إضافي ينزلقون إلى خط الفقر، وفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. في لبنان، الكارثة مضاعفة: 1300 ضحية، أكثر من مليون نازح، ورويترز تصف الصدع الاجتماعي والسياسي هناك بأنه الأخطر منذ الحرب الأهلية. وسط بروز شبح الفتنة الداخلية اللُبنانية التي قد تُغذيها أصابع خارجية عديدة واحقادٌ دفينة داخلية.
أما في إسرائيل، ورغم التفوق العسكري، فإن الحرب لم تمنح نتنياهو دفعة سياسية. استطلاعات الرأي تظهر استمرار الدعم للعملية، لكن مع تراجع حاد في التفاؤل بنتائجها. الإسرائيليون بدأوا يسألون: إذا كنا قد دمرنا قدرات إيران، فلماذا لا تزال الصواريخ تتساقط على رؤوسنا؟ ولماذا توسعت الجبهة اللبنانية بدلاً من أن تنغلق، ولماذا سكان شمال إسرائيل باتوا أقرب للرحيل الكامل رغم تطمينات نتنياهو، ولماذا يعود جنودُنا قتلى من الجبهة، ومن أين خرج مقاتلو حزب الله من تحت الأرض في منطقة كان من المفترض أن الجيش اللُبناني قال إنه نزع سلاح الحزب منها، وبقيت اسرائيل عاما نصف العام تقل فيها كل من تشك بأنه تابع للحزب وتراقب فيها حتى دبيب النمل .
ولو وسّعنا النقاش قليلاً ماذا نجد؟
لم تبق هذه الحرب داخل حدود الشرق الأوسط. مضيق هرمز ينقل نحو 20 مليون برميل يومياً، أي خمس الاستهلاك العالمي تقريباً. وعندما اختنق المرور، قفزت الأسعار وثمة توقعات ان يصل سعر برميل النفط الى اكثر من ١٥٠ دولار.
صندوق النقد الدولي حذّر من أن استمرار ارتفاع الطاقة والغذاء سيغذي التضخم ويضغط على النمو. ووكالة الطاقة الدولية لجأت إلى أكبر سحب جماعي في تاريخها من الاحتياطيات، بإتاحة 400 مليون برميل. وحتى الشحن البحري لم يسلم؛ إذ قفزت كلفة استئجار ناقلة لنقل النفط من الشرق الأوسط إلى آسيا إلى أكثر من 400 ألف دولار يومياً، أي أربعة أضعاف الأسعار الطبيعية. نحن لا نتحدث عن حرب حدودية. نحن نتحدث عن ضريبة عالمية على الطعام والوقود والنقل.”
وهنا نصل إلى المفارقة الكبرى. الرئيس ترامب، الذي بدأ الحرب بثقة، يقول اليوم إن الضربات ستستمر ‘أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع’ فقط. ليس لأنه انتصر، بل لأن الاقتصاد والسياسة والرأي العام يضيقون عليه المجال. استطلاع رويترز/إبسوس أظهر أن 66% من الأميركيين يريدون إنهاء الانخراط سريعاً، حتى لو لم تتحقق كل الأهداف. في الداخل الأميركي، تجاوز البنزين 4 دولارات للغالون، وارتفع الرهن العقاري، وسوق العمل في حالة ركود فعلي. ودبلوماسياً، اجتمعت نحو 40 دولة لبحث إعادة فتح هرمز… وكانت واشنطن خارج الاجتماع. ترامب يشتكي من أن الحلفاء لا يريدون خوض حربه. هذه ليست بيئة تسمح بحرب طويلة. هذه بيئة تفرض خروجاً سريعاً، حتى لو كان مكللاً بادعاء النصر
في النهاية، لا أحد يربح حرباً كهذه. إيران تخسر أرواحاً ومستقبلاً تنموياً. لبنان يخسر وطنه الهش. إسرائيل تصاب بخيبات أمل يومية رغم احتلالها لمنطقة واسعة من الجنوب وانكسر غرور فائض القوة عندها . أميركا عجزت عن حسم الحرب سريعا مع إيران و تدفع الثمن في اقتصادها ومكانتها الخليج يتعرض للصواريخ الإيرانية يوميا التي تدمر بنيانه وتشل اقتصادَه. والعالم كله يخسر عبر التضخم والجوع وعدم الاستقرار.
ثمة من يقول إن إيران تلعب على عامل الوقت وتستمر في الاستنزاف، وربما مدت خيوطا مع الديمقراطيين في أميركا كي تصيب ترامب في مقتل انتخابي ،وثمة من يرى ان الصين وروسيا تساعدانها بالسياسة علانية وبالإستخبارات وقدرات دفاعية سرًّا، ربما هذا صحيح وربما لا ، لكن الصين حتما هي أحد الرابحين في هذه الحرب التي تتفرج عليها من بعيد. فهي أولا كشفت حدود القدرات الأميركية، وثانيا أبعدت عنها شبح حرب كان يمكن ان تندلع بسبب تايون، ورسخت ثالثا وضعها الاقتصادي مقابل الخسائر الأميركية الكبرى في هذه الحرب، وهي تدرك تماما ان الاستراتيجية الأميركية الجديدة كانت تعتبرها العدو الأول وللك فعدم سقوط النظام الإيراني يخدمها بقوة.
يسأل الناس اليوم: من ينتصر؟… الإجابة الأكثر صدقاً هي أن لا احد ينتصر في هذه الحرب، والجميع بحاجة للعودة الى التفاوض، فهذه الحرب كشفت حدود القوة عند الجميع، ولعلّها ستنقع الجميع بأن القوة وحدها ما عادت تجل السلام والاستقرار لاحد ….
ولعل المنتصر الوحيد سيكون أؤلئك الذين سيوقفون ا الحرب قبل أن تبتلع أحلام أطفالهم أيضاً.
