د. رانيا الحتي :أثار استهداف قواعد عسكرية أمريكية في عدد من دول الخليج من قبل إيران تساؤلات حول سبب امتناع هذه الدول عن الرد المباشر رغم ما يُعد خرقًا لسيادتها، وما يكشفه التحليل الاستراتيجي أن القرار ليس نابعًا من ضعف سياسي، بل نتيجة حسابات دقيقة تشمل إدارة التصعيد، حماية أمن الطاقة، الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، ومشاريع إعادة تشكيل الممرات الاقتصادية والجيوسياسية.
تعاملت دول الخليج مع الضربات باعتبارها موجّهة ضد الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها، وليس ضد جيوشها الوطنية أو منشآتها السيادية، وهو تمييز يمنحها غطاء سياسيًا لإحالة الرد إلى الولايات المتحدة ويعكس مفهوم إدارة التصعيد المحدود، بحيث يتم منع انتقال الاشتباك التكتيكي إلى مواجهة إقليمية شاملة.
السعودية، على سبيل المثال، تدرك أن أي رد مباشر قد يفتح جبهة غير تقليدية عبر الحوثيين، ما يهدد منشآتها النفطية الحيوية واستقرار أسواق الطاقة، وقد عززت التجارب السابقة في استهداف البنية الطاقوية إدراك ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لخطورة التصعيد غير المتماثل، فتتجه الرياض إلى احتواء التصعيد حفاظًا على استقرار أسواق الطاقة وتحقيق أهدافها الاقتصادية طويلة المدى.
أما البحرين، التي تستضيف مقر الأسطول الخامس الأمريكي، تعتبر جزءًا من المنظومة الدفاعية الغربية، لكنها تبقى مقيدة بحساسيتها الداخلية التي تتمثل في تركيبتها السكانية ذات الغالبية الشيعية مقابل نظام سنّي حاكم، ما يجعل أي تصعيد مباشر مع إيران قابلًا لإثارة توترات داخلية تمسّ الاستقرار السياسي والأمني. لذا تعتمد على المظلة الأمريكية بدل الانخراط في مواجهة منفردة.
الكويت تميل إلى الحياد البراغماتي، مع اعتمادها على العمل ضمن إجماع خليجي أو دولي لتفادي مخاطر المواجهة المباشرة،
فيما تلعب عُمان “جنيف العرب” دور الوسيط الإقليمي الذي يحافظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، ويمنع أي انخراط عسكري مباشر من الإضرار بموقعها الاستراتيجي الفريد.
أما قطر، فهي حالة أكثر تعقيدًا، التي تستضيف قاعدة العديد الأمريكية تتقاسم مع إيران أكبر حقل غاز طبيعي في العالم، المعروف في قطر باسم North Field وفي إيران باسم South Pars.
هذا الامتداد الجيولوجي المشترك يفرض مستوى من التنسيق الضمني، إذ يعتمد الاقتصاد القطري بشكل جوهري على صادرات الغاز المسال المستخرجة من هذا الحقل.
كما تمر نسبة كبيرة من صادراته الطاقوية عبر مضيق هرمز الذي يمثل أحد أهم نقاط الاختناق البحرية عالميا .
بالإضافة، إلى أن تجربة الحصار الخليجي عام 2017 رسّخت لدى الدوحة قناعة بضرورة تنويع علاقاتها السياسية وعدم هدم الجسور مع طهران. أضف إلى ذلك تحالفها الاستراتيجي والدور المشترك في ملفات إقليمية عديدة، من بينها الملف الفلسطيني وعلاقة الطرفين بحركة حماس، التي كانت تُعد لاعبا محوريا في معادلة الصراع مع إسرائيل، وكل هذه الاعتبارات تجعل خيار الرد العسكري المباشر عالي الكلفة اقتصاديًا وسياسيًا، بينما يظل التنسيق مع إيران جزءًا من استراتيجية حماية مصالحها الحيوية، لا سيما في قطاع الطاقة وممرات الغاز عبر مضيق هرمز.
وفيما يتعلق بتركيا، فإن عدم استهدافها من قبل إيران رغم وجود قاعدة إنجرليك يمكن تفسيره ضمن منطق الانتقائية الاستراتيجية، إذ تتشابك علاقاتها مع إيران بين التنافس في سوريا وجنوب القوقاز، والتعاون في الطاقة والملف الكردي، أي أن أي انهيار شامل لإيران قد يخلق فراغا أمنيًا على حدودها ويعيد إحياء طموحات انفصالية كردية داخل الأراضي التركية، ما يجعل مصلحة أنقرة في بقاء إيران دولة قوية ولكن قابلة للاحتواء، وهو ما يفسر الاستثناء الإيراني في هذا السياق.
ولكن وراء كل هذه الحسابات يلوح شبح أكبر يتعلق بما يُعرف بـ“الفوضى الخلّاقة”، فإذا انهار النظام الإيراني، فإن تفكك دولة بحجمها وامتدادها القومي والمذهبي لن يكون حدثًا محليًا بل زلزالًا جيوسياسيًا، قد يؤدي إلى صراعات إثنية داخلية تشمل الأكراد والبلوش والأذريين، وتمدد جماعات مسلحة عابرة للحدود، واختلال موازين الطاقة في الخليج، وسباق نفوذ إقليمي جديد بين قوى كبرى، مما يجعل أي دولة خليجية مهددة من الفوضى القائمة وليست بمنأى عن تداعياتها.
إضافة إلى ذلك، توجد قراءة استراتيجية مفادها أن إضعاف إيران إلى حد الانهيار قد يفتح المجال لإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم ما يُعرف بـ“إسرائيل الكبرى” او الشرق الأوسط الجديد بحيث تصبح إسرائيل اللاعب العسكري الأبرز بلا منازع، ويتيح لها التحكم في الممرات الاقتصادية والطاقوية الحيوية، ويعزز أهداف تحالف الهندي–الإسرائيلي–الأمريكي
في مواجهة الحلف السني والهلال الشيعي، فيما تصبح إيران، رغم كونها خصمًا للعديد من الدول العربية، عنصر توازن مهم في معادلة الردع الإقليمي.
كل هذه الديناميكيات تتجسد ضمن الإطار الأوسع لمفهوم الريملاند، الذي أشار إليه المنظر الجيوبوليتيكي نيكولا سبايكمن بأن “من يسيطر على الريملاند يحاصر قلب الأرض ويتحكم بالعالم”، إذ يشكل الشرق الأوسط عقدة مركزية ضمن هذا الحزام الساحلي تتحكم بممرات الطاقة وطرق التجارة وخطوط النقل الحيوية، حيث تتقاطع الضربات العسكرية مع مشاريع إعادة هندسة الممرات الاقتصادية والطاقوية ومع معادلات النفوذ الإقليمي.
في ضوء ذلك، إن امتناع السعودية والبحرين والكويت وعُمان وقطر، واستثناء تركيا، لا يعكس غياب الإرادة السياسية، بل يعكس استراتيجية مدروسة لإدارة التهديد ضمن منظومة توازنات أوسع تجمع بين إدارة التصعيد، حماية المنشآت الحيوية وممرات الطاقة، منع الفوضى الخلّاقة على الحدود، والحفاظ على توازن الردع الإقليمي، مما يجعل القرار الأكثر حكمة في بيئة شرق أوسطية شديدة الحساسية هو التحرك بحذر، وتحويل المخاطر إلى أدوات استراتيجية لحماية مصالح كل دولة ضمن النظام الإقليمي.
