سامي كليب

كان الكاتب اللُبناني المُخضرم ساطع نور الدين، ينتقد النظام السوري وتجربته في لُبنان في أوج قوّة هذا النظام في البلدين، ولكنّ زاويته ” محطّة أخيرة” التي كان يكتبها يوميًّا في جريدة ” السفير” كانت من بين الأكثر قراءةً ومتابعة أيضًا من قبل المسؤولين السوريّين، لأنَّها كانت باروميترًا حقيقيًّا وشفّافًا حول العلاقة بين دمشق وبيروت، ولرصدِ أوضاع المنطقة والعالم ومآلاتِها.
من هذا المُنطلق فإنَّ كتابَه الجديد ” لبنان وسوريا، تخوم الجغرافيا وصدوع السياسة” الصادر قبل أيام عن “دار نوفل” العريق، يبدو ضروريًّا لكلّ من يريد تصحيح خلل التاريخ وتعقيدات الجغرافيا بين البلدين، بعيدًا عن العصبيات المذهبيّة والطائفيّة والعنصريّة، ذلك أنَّ الكاتب لا يُجامل في توصيفه للواقع المُعقّد بين البلدين، ولا يُغالي حين يدعو للوحدة على غرار نموذج الإتحاد الأوروبي، ولا يتردّد في المطالبة بمحاسبة لُبنانية لما يعتبرها “خطيئة” حزب الله بالتورّط في الحرب السورية، لا بل وفي جرّ إيران إلى تلك الحرب.
هي رحلة في الكتاب إذًا “نحو المستقبل، لا عودة إلى التاريخ” كما يقول الكاتب نفسُه في تمهيده لمئةٍ وست صفحات تناول فيها بعضًا من التاريخ المُعقّد، وكثيرًا من الأمل بالمستقبل بين ” شعبين متجاورين متنازعين على الحدود، والأدوار، والأهداف.. لكنّهما ظلاًّ شقيقَين، لن ينفصلا أبدًأ ولن يتوّحدا يومًا”.
إذا كانا لن يتوحَّدا، عن أي وحدة يتحدّث إذا ساطع نور الدين في كتابه؟
قبل وصوله إلى النتيجة المُبتغاة من الوحدة، يتوقّف الكاتب عند التجربة السوريّة الحاليّة، فيجد “حُكّام دمشق الإسلاميّين منغمسين في عملية توحيد البنادق، والميليشيات، والطوائف والأقوام، بطريقة عشوائية، دمويّة في الغالب، من دون أن تكون مصحوبة بعملية سياسيّة مناسبة، تقود إلى إعادة بناء دولة سوريّة جديدة، ولو بالشرع الإسلامي”. ودليله على هذا “أنَّ أرقام العودة من بلديّ اللجوء الأميركي والأوروبي فاضحة”.

ونظرًا لأنَّ “التحوّل الجديد في طبيعة السلطة في كلّ من بيروت ودمشق، لا يُبشّر بصفحة جديدة، مُغايرة لما شابَ تلك العلاقة في العهد الأسدي وفي العهود التي سبقته”، فإن نور الدين يُحذّر من الوصول الى لحظة انفجار بعناصر وعناوين وأساليب متعددة، أهمّها “أن النظامين يفترقان عن بعضهما أكثر من ذي قبل”.؟ ويرى أنَّ ولادةَ دولة إسلاميّة في دمشق، هي ” لسوء الحظ وصفةُ تفجير جديد للصيغة اللُبنانيّة الفريدة”. ويرى كذلك أنّه كلّما طالت المرحلة الانتقالية في سوريا، وفي لبنان طبعًا، زادت احتمالات انفجار الصيغة اللبنانية القائمة على عصبيات طائفيّة راسخة، وزادت معها بالطبع فرص انفجار المعادلة السورية التي ” تسير حتّى الآن في الاتجاه المعاكس لمسار بناء دولة مركزيّة قويّة ترث سوريا الأسد الاب والابن”.
تحذير الكاتب يتمحوّر كذلك حول الخطر الداهم والمتمثّل بالفدرالية المرتقبة في سوريا، وما قد تثيره في لبنان من جدل إضافي حول الهويّة والمواطنة، يميل الى الالتحاق بتلك التجربة السورية الطارئة.
ونور الدين الذي يرفض وَسْمَ النظام الإسلامي الجديد في سوريا بالإرهاب، ولا يعتبره سليلاً للإخوان المسلمين، يرى أنَّ “تجربة الشبكة الإسلاميّة التي تحكم سوريا الآن ونواتها جبهة النصرة، قد بنت نواة دولة إسلاميّة فعليّة في إدلب” وكانت لها مؤسساتها، وأنَّها أدارتها بعقلانية أدت الى نجاح نظام كان أفضل من النماذج الخاضعة لنظام الأسد. ولا ضيرَ بالتالي أن تكرّر السلطة الحاليّة في دمشق تجربتها الإدلبيّة، لا بل وأن تستمر في السير على خطى نموذج حركة طالبان في أفغانستان، فهذه ستكون ” أسرع، وأسلم، وأقصر الطرق إلى الاستقرار الداخليّ”، كما أن الدول الأربع المجاورة لسوريا، بما في ذلك إسرائيل يمكن ان تتعايش مع التجربة الطالبانيّة المنقّحة في سوريا. ولا شكّ في انَّ الشعب السوري هو الذي يُقرّر متّى يقصّر فترة النموذج الأفغاني.
وبعد تحذيرٍ من الغرق في أوهام التقديرات والنِسب حول أعداد المذاهب في سوريا ولبنان، لأنَّ المُضيّ بها يعني أنَّ ” النهوض الإسلاميّ السنّي في سوريا سيعبُر الحدودَ السورية اللبنانيّة بسهولة فائقة”، وبعد أن يدعو لمساءلة لُبنانيّة لحزب الله من أجل الاعتراف أولاً بالخطيئة السورية التي لا تُغتفر، ثم الانتقال إلى عملية المصالحة والمحاسبة ترجمةً لمسار التطبيع بين البلدين، يصل نور الدين الى الخلاصة التي يجب أن تكون ثمرة التواصل الحقيقي بين البلدين وهي ” الاتحاد الثًنائي الذي يعيد نسج العلاقات بين الشعبين والبلدين على أُسس عصريّة، أوروبيّة الهوى والتكوين” تشمل التعاون والتكامل في مختلف المجالات والمصالح ، وتتجاوز السوق المُشتركة اللبنانيّة والسورية لتصل الى بقية الأسواق العربيّة والعالميّة… بحيث “تتطور الدولتان معًا، وتتعالى مصالحُها على الإيديولوجيات القوميّة أو الدينيّة الماضيّة التي أسّست للفُرقة أكثر مِمَّا أسّست للوحدة، وتُنتج عقيدة سياسية جديدة للُبنانيّين والسوريّين، تبنى على فكرة العيش معًا في حيز جغرافي واحد”.
الواضح أن ساطع نور الدين الرافض الاستسلام للتاريخ، والمهجوس حاليًّا باحتمال انفجار العلاقة بين لبنان وسوريا ما لم تتم المسارعة الى طرح كل الملفات على الطاولة، والبدء بالبحث الجدي عن حلول للمُستقبل، يطرح في كتابه هذا خريطة طريقة قد تبدو مثاليّة وطوباويّة وأفلاطونيّة للبعض، لكنّها على الأرجح أقل كلفة من الاستمرار في التنافر الضمني والبناء على الأحقاد الدفينة، وأكثر مثارًا لنقاشٍ عاقل حول كيفية إفادة البلدين من ثرواتِهما الطبيعية والزراعية والبشريّة والسياحيّة وغيرها، فهو حين يطرح فكرة الوحدة لا يُقاربها من منظور الأوهام العربيّة السابقة التي كان هو نفسه ناقدًا شديدًا لها، بل من منظور مصلحي لا يُمكن للشعبين أن ينعما باستقرار ورفاهية حقيقيّن بدونه.
وإذا كان القلق سمةً طاغية على الأقسام الأولى من الكتاب الذي ابتعد فيه نور الدين عن الغرق بمطوّلات التاريخ وفذلكات السياسة وتقعير اللغة، فإنَّ الأفكار التي يطرحها نحو نسج علاقاتٍ صحيّة بين البلدين والشعبين، تُشكّل مادةً ممتازة للنقاش في لحظة مفصليّة ومصيريّة يمرُّ بها الوطن العربي برمّته وليس لبنان وسوريا فحسب.
ساطع نور الدين كاتب وصحفي له باعٌ طويل في شؤون المنطقة والعالم، تولّى إدارة تحرير صحيفة ” السفير” العريقة حتّى قبيل إقفال أبوابها، كما عمل في مؤسسات عربيّة أخرى، وهذا كتابه الثالث بعد ” محطة أخيرة” و “محطة أخيرة خارج المكان”. وعنوانا الكتابين السابقين مُقتبسان من زاويته التي كان يكتبها في صحيفة السفير بعنوان ” محطة ” أخيرة، والتي كما أسلفت كانت تحظى باهتمام عربيّ واسع.
