في الرباط، يوم أمس وفي جو ممتلئ بالضباب، كان الموعد مع نقاش دراسي مفتوح حول الصحافة الاستقصائية، جمع وجوها عدّة من الصحفيين المهنيين المغاربة من مختلف المواقع والمؤسسات، وشكّل فرصة مهمة لكي ينقشع الضباب حول مهنة الصحافة.
الحدث الذي نظّمته الشبكة العربية أريج للصحافة الاستقصائية بشراكة مع الشبكة المغربية لصحفيي الهجرات، عرف حضورا مميّزا سواء على مستوى المتدخّلين أو الحضور، ومثّل مناسبة للاستماع والتعرّف على تجارب عدد من الزملاء في الصحافة الاستقصائية وصحافة البيانات وتدقيق المعلومات.
وتفرّعت أشغاله إلى أربع جلسات تمحورت حول واقع وتحديات الصحافة الاستقصائية في المغرب بالجلسة الأولى وحول تدقيق المعلومات وأدوات كشف التضليل في الجلسة الثانية، أما الجلسة الثالثة فعرفت النقاش حول صحافة البيانات وتقنيات التحليل وتحويل البيانات إلى قصص صحفية، فيما الجلسة الرابعة تمحورت حول الذكاء الاصطناعي وتجربة دمج تقنياته في العمل اليومي.
تحديات الصحافة الاستقصائية في المغرب
وقالت روان الضامن المديرة العامة لشبكة أريج إن الصحافة الاستقصائية تعيش طويلا وتبقى راهنية، مضيفة أنّها تحتاج نفسا طويلا لدى الصحفي، وخلال استعراضها لجهود الشبكة لدعم الصحافة الاستقصائية في البلدان العربية، ذكرت أن أكثر الدول اقتراحا للتحقيقات هم فلسطين واليمن ومصر.
ورأى الصحفي هشام حذيفة أن هناك تراجعا في الصحافة الاستقصائية بسبب الخطوط الحمراء واصفا إياها ب “أعداء الصحافة”، معتبرا أن هناك ضغط من ناحية المواضيع التي لا يمكن احديث عنها.
وشدّد حذيفة على أن الصحافة الاستقصائية هي حق إنساني يجيب عن سؤال الديمقراطية في البلاد، مؤكدا على ضرورة وجود تربية إعلامية في المدرسة العمومية والتركيز على الفكر النقدي لدى الصحفيين.
الاستقصاء سلعة مهنية غالية الثمن.
من جانبه، أكدّ محمد لغروس مدير نشر موقع “العمق المغربي” أن التحقيق الاستقصائي يحتاج إلى الشغف والعمل المتقدم، وإلى ضرورة اشتباك الصحفي مع قضايا المجتمع، واصفا العمل الاستقصائي بأنه “سلعة غالية في سوق رخيص”.
وأضاف لغروس أن العمل الاستقصائي الفردي فيه مغامرة مادية وشخصية ومهنية، مؤكدا على ضرورة احتضان المؤسسات للأعمال الاستقصائية التي يقوم بها الصحفي.

كذلك، اعتبر الصحفي والأكاديمي محمد كريم بوخصاص أنّ المناخ السياسي في البلاد والوضعية الاقتصادية إضافة لقدرة وشغف الصحفيين، أنّها عوامل مهمّة في نجاح أو فشل العمل الاستقصائي، مثيرا في ذلك أن الإشكال هو في “تمثّلنا للصحافة الاستقصائية في المغرب”.
وأشار بوخصاص إلى ضرورة التفريق بين الربورتاج أو التقارير المعمقة وبين العمل الاستقصائي، مضيفا أن قيمة المعلومات والمعطيات في الأخير هي ما يُميّزه عن الأجناس الصحفية الأخرى.
تجارب مهنية تستحق المشاركة والنقاش
كان من الضروري في هذا اليوم الدراسي، الاستماع إلى تجارب مهنية مُهمّة، قدّم أصحابها إضافة متميزة في المشهد الصحفي المغربي والعربي، في هذا الشأن يبرز اسم الصحفي ياسر المختوم المتخصص في صحافة البيانات.

وذكر المختوم في حديثه أن عمله في صحافة البيانات هو ثمرة جهود مهنية فردية غالبا ما تكون خارج أوقات العمل المعتادة، مؤكدا أن العمل يحتاج صبرا وتكوينا مستمرا حول تقنيات رصد وتحليل البيانات، وأن هذه العملية تأخذ وقتا يمتد بالشهور.
كما استعرض المختوم مع الحضور تجربته المهنية في تحقيقه المنشور مع شبكة أريج بعنوان “الإسمنت يبتلع غابات المغرب بعد إحراقها” والذي فاز مؤخرا بجائزة الحسن الثاني للبيئة في دورتها الخامسة عشرة، قائلا إن هذا العمل استغرق منه عاما كاملا من البحث والتدقيق وجمع البيانات المتعلقة بحرائق الغابات في المغرب على مدار عشر سنوات.
وشهد اللقاء كذلك، نقاشا عميقا حول أدوات الذكاء الاصطناعي واستعمالها في العمل الصحفي اليومي، وبين رفضه والتوجس منه من جهة والإقبال عليه من جهة أخرى، اختلفت آراء الحضور في المداخلات والإضافات التي أثرت النقاش.
