تُشكّل الحرب المحتملة على مضيق هرمز محورًا بالغ الحساسية في النظام التجاري والطاقوي العالمي، إذ يمرّ عبر هذا المضيق ما يقارب ثلثي التجارة النفطية الدولية، ما يجعله شريانًا حيويًا لا يمكن الاستغناء عنه في منظومة الاقتصاد العالمي. وأي إقفال أو تعطيل لحركة الملاحة فيه من شأنه أن يُحدث أزمة اقتصادية خانقة ذات أبعاد عالمية غير مسبوقة، تتجاوز أسواق الطاقة إلى مجمل سلاسل الإمداد الدولية.
تُشرف إيران جغرافيًا واستراتيجيًا على هذا المضيق، ولا سيما من خلال ميناء بندر عباس وميناء الشهيد رجائي، ما يمنحها قدرة فعلية على التأثير في حركة الجزء الأكبر من تجارة الطاقة العالمية. ومن هذا المنطلق، تسعى الولايات المتحدة إلى كبح هذه السيطرة الإيرانية، غير أن هذا الهدف يصطدم بواقع جيوسياسي معقّد، إذ لا يمكن لواشنطن، البعيدة جغرافيًا عن المضيق، فرض سيطرة كاملة عليه في ظل وجود شبكة تحالفات دولية داعمة لطهران، وفي مقدّمها الصين وروسيا.
يكتسب مضيق هرمز أهمية رمزية واستراتيجية خاصة بالنسبة إلى الصين، إذ يُعدّ شريانًا أساسيًا لمشاريعها الجيو-اقتصادية، وعلى رأسها مبادرة الحزام والطريق، التي تمرّ عبر ميناء غوادر الباكستاني وتمتدّ إلى مرافئ إيرانية مثل بندر عباس وشهيد رجائي، وصولًا إلى قلب الشرق الأوسط. وعليه، فإن المضيق لا يمثّل مصلحة إيرانية فحسب، بل يُعدّ جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي الاقتصادي لكلٍّ من الصين وروسيا.
في هذا السياق، تلعب إيران دور الضامن غير المعلن لاستمرارية سلاسل الإمداد النفطية، ليس فقط للصين وروسيا، بل أيضًا لدول الخليج مثل قطر والإمارات. وأي سيطرة أمريكية مباشرة على المضيق قد تعني عمليًا التحكّم بمفاصل التجارة الدولية، وهو ما يتجاوز الخطاب الأمريكي التقليدي المرتبط بحقوق الإنسان أو الملف النووي الإيراني، ليكشف عن جوهر الصراع الحقيقي المرتبط بالهيمنة على التجارة العالمية.
يمكن فهم الصراع الأمريكي–الإيراني بوصفه حرب ممرات بحرية ومضائق استراتيجية، وحرب مصالح وسلاسل إمداد، أكثر منه صراعًا أيديولوجيًا أو أخلاقيًا. كما يدخل في هذا الإطار سعي الولايات المتحدة إلى إعاقة النفوذ الصيني ومنع بكين من التحكم بمسارات الطاقة العالمية، ولا يُستبعد، في حال فرض السيطرة، أن تلجأ واشنطن إلى فرض رسوم أو أعباء تجارية على الدول الخليجية المارّة عبر هذا المضيق، في انسجام مع العقلية التجارية للرئيس دونالد ترامب، الذي ينظر إلى السياسة الدولية من منظور الربح والخسارة.
ويُفسَّر هذا التعقيد الاستراتيجي أيضًا من خلال المناورات العسكرية البحرية المشتركة التي جرت وتُجرى في محيط مضيق هرمز، بمشاركة كلٍّ من الصين وروسيا وإيران، وأحيانًا في مقابل الوجود البحري الأمريكي. فهذه المناورات لا يمكن قراءتها بوصفها تدريبات عسكرية تقليدية، بل تأتي في إطار تثبيت النفوذ وحماية الممرات البحرية الحيوية، وإرسال رسائل ردع مباشرة تتعلّق بحرية الملاحة وسلاسل الإمداد العالمية. وتعكس مشاركة الصين في هذه المناورات مدى ارتباطها العضوي بالمضيق، ليس فقط كمسار نفطي، بل كعنصر أساسي في استراتيجيتها البحرية والجيو-اقتصادية بعيدة المدى. ويتكامل هذا الدور مع استثماراتها في ميناء غوادر الباكستاني، الذي لا يُعدّ مشروعًا تجاريًا صرفًا، بل يشكّل نقطة ارتكاز استراتيجية قريبة من مضيق هرمز، تتيح لبكين الإشراف غير المباشر على أحد أهم مفاصل التجارة والطاقة العالمية. ويأتي هذا الاستثمار في سياق ما يمكن تسميته بالهيمنة الوقائية، الهادفة إلى حماية المصالح البحرية والتجارية والنفطية، وتأمين خطوط الإمداد ضمن مبادرة الحزام والطريق، بما يقلّل من قابلية الصين للابتزاز الجيوسياسي أو البحري. كما يفسّر هذا التقاطع الاستراتيجي سبب التقارب العسكري البحري بين الصين وروسيا وإيران، حيث تلتقي مصالح هذه الدول عند هدف واحد: منع أي قوة منفردة من احتكار السيطرة على مضيق هرمز والممرات المرتبطة به.
وعليه، فإن مضيق هرمز لم يعد مجرد معبر للطاقة، بل تحوّل إلى ساحة اختبار لإعادة توزيع القوة البحرية العالمية، ومسرح تنافس مباشر بين نموذج الهيمنة البحرية الأمريكية ونماذج التوازن الاستراتيجي التي تسعى الصين وروسيا وإيران إلى ترسيخها. ووفق منطق ألفريد ماهان، “من يسيطر على البحار يسيطر على التجارة، ومن يسيطر على التجارة يسيطر على العالم”، وهو ما يفسّر استقدام الولايات المتحدة لحاملة الطائرات أبراهام لينكولن إلى المنطقة باعتباره رسالة استراتيجية تهدف إلى فرض الهيمنة على هذا الشريان البحري الحيوي.
