لا يمكن قراءة أي مواجهة عسكرية محتملة بين إيران من جهة، وإسرائيل أو الولايات المتحدة من جهة أخرى، بوصفها حربًا تقليدية أو نزاعًا محدودًا بين دولتين. فهذه الحرب، إن اندلعت، لن تكون حرب حدود ولا ردود فعل متبادلة، بل مواجهة شاملة تحمل في جوهرها صراعًا على شكل النظام الدولي نفسه.
إيران ليست دولة هامشية في المعادلة الجيوسياسية، كما أن إسرائيل ليست فاعلًا إقليميًا معزولًا. الأولى تمثّل عقدة توازن في الشرق الأوسط، والثانية تشكّل امتدادًا استراتيجيًا للمنظومة الغربية بقيادة الولايات المتحدة. ومن هنا، فإن أي اشتباك مباشر بين هذه الأطراف سرعان ما سيتحوّل إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز النطاق الجغرافي للمنطقة، وتمتد إلى الفضاء السيبراني، والاقتصاد العالمي، وأمن الطاقة، وحتى الأقمار الصناعية.
حرب المعسكرين… دون إعلان
رغم أن الصين وروسيا قد لا تدخلان الحرب بشكل مباشر، إلا أن غيابهما العسكري العلني لا يعني الحياد. فالتدخل في الحروب الحديثة لم يعد مشروطًا بإرسال الجيوش، بل بات يتم عبر الاستخبارات، والدعم التكنولوجي، والتنسيق الفضائي، والحرب السيبرانية، وتأمين سلاسل الإمداد. وعليه، فإن العالم سيكون فعليًا أمام معسكرين:
معسكر غربي تقوده الولايات المتحدة، ومعسكر شرقي يعمل على كبح الهيمنة الأحادية ومنع سقوط أحد أعمدته الأساسية أي إيران.
لماذا لا يمكن الحسم؟
السؤال الأكثر تداولًا هو: من سينتصر؟
غير أن هذا السؤال بحد ذاته يعكس فهمًا كلاسيكيًا لحروب لم تعد تُحسم بالسيطرة على الأرض أو إسقاط الأنظمة خلال أيام. فنحن أمام نمط جديد من الحروب، حيث الانتصار لا يُقاس برفع الأعلام، بل بالقدرة على الصمود ومنع الخصم من تحقيق أهدافه الاستراتيجية.
إيران، بخلاف ما يُروّج، ليست في موقع دفاعي هش. فالمعركة – إن وقعت – ستكون على أرضها، ما يمنحها أفضلية جغرافية واستراتيجية. كما أن التجربة السابقة، ولا سيما المواجهة القصيرة والمفاجئة التي امتدت نحو اثني عشر يومًا، أظهرت محدودية الرهان على الضربات الخاطفة أو الاغتيالات السياسية لإحداث انهيار داخلي. فمحاولة إسقاط النظام عبر استهداف القيادة لم تؤدِّ إلى النتيجة المرجوة، بل ساهمت في تعزيز منطق الردع المتبادل.
اليوم، تبدو إيران أكثر استعدادًا من أي وقت مضى، ليس فقط عسكريًا، بل مؤسساتيًا أيضًا. فخطط الاستمرارية السياسية والعسكرية، وآليات التعويض القيادي السريع، تشير إلى أن الدولة باتت تُدار بعقلية “ما بعد الصدمة”، لا بعقلية انتظارها.
حرب وجودية تتجاوز إيران
خطورة هذه الحرب لا تكمن فقط في نتائجها على إيران، بل في انعكاساتها على الصين وروسيا. فسقوط إيران أو إخضاعها الكامل سيعني عمليًا توسيع نطاق النفوذ الأميركي ليصل إلى تخوم آسيا الوسطى، وضرب مشروع التعددية القطبية. لذلك، فإن الدفاع عن إيران – ولو بشكل غير مباشر – هو دفاع عن ميزان قوى عالمي، لا عن حليف إقليمي فحسب.
من سينتصر إذًا؟
الجواب الأكثر واقعية هو أن أحدًا لن “ينتصر” بالمعنى التقليدي. لكن المؤكد أن الولايات المتحدة وحلفاءها لا يملكون ترف حرب طويلة بلا كلفة استراتيجية، كما أن إيران لا تخوض معركة تكتيكية، بل معركة بقاء. وفي ميزان الحروب الكبرى، يكفي أحيانًا أن تمنع خصمك من تحقيق أهدافه كي تُسجَّل لك الغلبة.
فإن تمكنت إيران من الصمود ومنع إسقاطها، فإن ذلك سيُعدّ هزيمة استراتيجية للنظام الأحادي، تماما كما حدث في فيتنام وأفغانستان والعراق، حيث انتصرت القوة عسكريًا لكنها خسرت المعنى السياسي للحرب.
لسنا أمام حرب ستُنتج فائزًا واضحًا، بل أمام صدام قد يُسرّع نهاية نظام دولي وبداية آخر. السؤال الحقيقي ليس من سيربح، بل من سيخرج من هذه المواجهة وما زال ثابتاً وصامدا؟
في هذا العالم المتحوّل، قد لا يكون الانتصار هو التقدّم، بل باختصار، بالقدرة على البقاء.
