تتصدر انتخابات عمدة نيويورك المشهد السياسي العالمي، فالمشهد السياسي والاجتماعي مؤخراً داخل اميركا يبرز التمايز بين اليهود بوصفه ظاهرة مركبة تتداخل فيها العوامل الدينية والعرقية والطبقية والجيلية والجغرافية، انطلاقا من نيويورك تتضح الصورة اكثر فأكثر، فهذه الولاية تضم واحدة من اكبر التجمعات اليهودية في العالم خارج إسرائيل، وفيها تباينات صارخة بين يهود علمانيين يساريين تقدميين في بروكلين ومانهاتن وكوينز وبين مجتمعات ارثوذكسية وحريدية كثيفة في بورو بارك ووليامزبورغ ومونسي وكراون هايتس. ينعكس ذلك على المواقف من السياسات الداخلية والخارجية و ايضاً على التصويت الحزبي وعلى تعريف الهوية اليهودية نفسها داخل اميركا.
فحتى اللوبي المؤيد لإسرائيل على مستوى كل الولايات وفي مقدمته الايباك الذي يؤثر في السياسات الامريكية عبر تمويل الحملات الانتخابية وبناء شبكات ضغط داخل الكونغرس وصياغة رسائل سياسية جاهزة للحزبين، والذي يظهر ايضاً بالدفع بمشاريع قرارات داعمة لإسرائيل، وربط المساعدات بمعايير امنية وتوجيه البيانات الرسمية، يوجد في مقابله منظمات يهودية تقدمية وغير متصهينة برزت في السنوات الأخيرة تسعى لتعديل هذا النفوذ مثل حركات تضغط لربط المساعدات بمعايير حقوق الانسان فتعارض الحروب التوسعية، رغم ان تأثيرها لا يوازي ثقل ايباك مالياً وتنظيمياً لكنه بات ملحوظاً في دوائر اجتماعية و جامعية حيث يساعد على تغيير المواقف العلنية لبعض المشرعين ويخلق قنوات تمويل بديلة لمرشحين يتخذون مواقف اكثر عقلانية، ما يدفع ايباك احيانا لتعديل تكتيكي بقراراته دون التخلي عن اهدافه الجوهرية.
ان انتخاب ممثلي تيارات تقدمية في دوائر نيويورك سيما انتخاب العمدة الاسيوي المسلم الشيعي زهران ممداني يقدم مؤشرا مهما على تحولات داخل جزء من القاعدة اليهودية الشابة والمثقفة، حيث يبرز في هذا السياق صعود شخصيات تحمل مواقف ناقدة لإسرائيل دون تردد، اوعلى الأقل غير مؤيدة لها، ذلك وفق خطاب علمي حقوقي يركز على المساواة وحقوق الانسان ووقف الحروب والتمييز العنصري، هذا الخطاب وجد قبولاً نسبياً في احياء تضم مزيجا من الطلبة والمهنيين والاقليات العرقية والناشطين اليساريين، وهي مناطق كانت تاريخيا تميل الى الديمقراطيين لكنها باتت اكثر انتقادا للمؤسسة الحزبية وللسياسات التقليدية سيما في الشرق الاوسط.
فالتمايز اليوم داخل اليهود في اميركا محوره ديني اجتماعي أي بين ارثوذكس وحريديم من جهة ومحافظين واصلاحيين وعلمانيين من جهة أخرى، ويأخذ مساراً جيلياً أي تفاوت بالتفكير بين كبار السن الذين يرون في إسرائيل الملاذ و الهوية المركزية، وبين شباب يضعون حقوق الانسان والعدالة الاجتماعية في مقدمة سلم القيم الإنسانية لخياراتهم ويشعرون بمسافة بعيدة عن سياسات الحكومة الإسرائيلية هناك، وكذلك يأخذ التمايز شكلاً عرقياً وثقافياً بين اشكناز ومزراحي وسفاردي ويهود من اصول روسية وايرانية وايثيوبية، فلكل طابع تمايزي له انعكاساته المؤثرة على التصويت والسياسات المحلية والدولية .
في نيويورك تشير المعطيات المتداولة في استطلاعات راي حديثة على مستوى المدينة والولاية الى ان نسبة كبيرة من اليهود غير الارثوذكس تميل الى التصويت لمرشحين تقدميين في المجالس المحلية والكونغرس، في المقابل يظهر تصويت متماسك نسبيا داخل المجتمعات الحريدية لصالح مرشحين يدعمون سياسات امنية مشددة وبرامج تعليمية مرنة ومواقف مؤيدة بوضوح لإسرائيل، هذا التباين يعمق الفجوة داخل الامة اليهودية في اميركا ويجعلها ابعد ما تكون عن امة موحدة في المستقبل القريب.
ففي احياء مثل استوريا، ولونغ ايسلاند سيتي، واجزاء من بروكلين حيث ارتفعت كلفة السكن وتوسع الحضور الجامعي والثقافي، بدت القاعدة الناخبة اكثر استجابة لخطاب العدالة الاجتماعية، فانتخاب مرشحين بشعارات غير مؤيدة لاسرائيل يأتي نتيجة تعبئة ميدانية مكثفة وتحالفات مع منظمات شبابية واتحادات طلابية وحركات مناهضة للحروب، حشدت هذه القوى اصواتا من يهود وغير يهود متقاربين في الرؤية حول قضايا محلية مثل الشرطة والسكن والرعاية الصحية والضرائب والحقوق المدنية وصولاً للسياسات الخارجية الكبرى بما فيها ملف دعم إسرائيل.
في منظومة الاستطلاعات الوطنية الاخيرة تبرز اتجاهات تشير الى ان ما بين 55 الى 65 بالمئة من اليهود الاميركيين يميلون عادة الى الديمقراطيين في الاستحقاقات الرئاسية بينما يمنح نحو 25 الى 35 بالمئة اصواتهم للجمهوريين مع تفاوت واضح حسب الولاية، فداخل نيويورك نفسها تظهر عينات محلية ان التصويت الديموقراطي بين اليهود غير الارثوذكس قد يتجاوز 70 بالمئة في احياء مدنية تقدمية، في المقابل تصوت كتل حريدية بنسبة قد تصل من 70 الى 85 بالمئة لصالح المرشح الذي يقدم وعودا ملموسة تتعلق بتمويل المدارس الدينية المتطرفة ودعم صريح لإسرائيل، على مستوى الجيل تشير العينات الجامعية والمدنية الى ان ما بين 40 الى 50 بالمئة من اليهود الشباب دون 30 عاما يعبرون عن انتقاد واضح لسياسات الحكومة الاسرائيلية مقارنة باقل من 25 بالمئة بين من هم فوق 65 عاما، كما تظهر عينة وطنية ان نحو 20 الى 25 بالمئة من اليهود الاميركيين يفضلون صياغات سياسية تبتعد عن التأييد غير المشروط لاسرائيل وتتبنى شروطا تتعلق بحقوق الانسان والقانون الدولي.
لهذا التمايز اثر حتمي على الانتخابات الرئاسية القادمة في اميركا سيظهر في ثلاثة مسارات رئيسية: المسار الاول داخل الحزب الديمقراطي حيث يجري ضغط تصاعدي لادراج لغة اشد صرامة حول شروط المساعدات العسكرية وربطها بمعايير حقوق الانسان، اذا تبنى الحزب لهجة مشروطة فقد يحافظ على ولاء اغلبية اليهود غير الارثوذكس لكنه يخاطر بخسارة جزء من اصوات حريدية كانت تصوت له محليا لاسباب خدماتية، اما المسار الثاني فهو داخل الحزب الجمهوري حيث يسعى لتثبيت اغلبية حريدية والتمدد نحو يهود مهاجرين محافظين اجتماعيا عبر خطاب امني واقتصادي واضح مع دعم قوي لإسرائيل، و المسار الثالث يكون في الولايات المتأرجحة حيث ليس لحجم اليهود وزن سكاني ضخم لكنه قد يكون مرجحا في مقاطعات حساسة في ميشيغان وبنسلفانيا واريزونا وجورجيا، في هذه المناطق قد يغير انتقال 3 الى 5 بالمئة من الاصوات اليهودية الكفة في سباقات متقاربة بفارق يتراوح بين 10 الاف الى 30 الف صوت.
اما التداعي الاشمل يتمثل في تغير لغة الحملات، فمن المتوقع عندها رؤية مرشحين رئاسيين ودستوريين يتحدثون بنسب وتفاصيل دقيقة لطمأنة الشرائح المختلفة، قد نرى تعهدات بزيادة الرقابة على استخدام المساعدات العسكرية مع تأكيد امن الحلفاء، ولكن قد نرى ايضاً مبادرات للحوار المجتمعي لمحاربة معاداة السامية وضمان حرية التعبير في الجامعات في آن واحد، ما سيجبر الديمقراطيين على بناء ائتلاف يجمع بين ناخبين يهود تقدميين وكتل اقليات حضرية من جهة وبين معتدلين من جهة أخرى، وسيحاول الجمهوريون توسيع هامشهم بين المتدينين والناخبين القلقين من الجريمة والضرائب والهجرة.
النتيجة المرجحة على المدى القريب هي استمرار الانقسام داخل اليهود في اميركا وتزايد ظهور اصوات تنتقد السياسات الاسرائيلية من داخل الفضاء اليهودي نفسه وخاصة بين الشباب والمدن الكبرى، ففي نيويورك رفع ممداني شعار اعتقال نتنياهو لممارسته جريمة الإبادة الجماعية في غزة ومع ذلك نال حظاً كبيراً من أصوات اليهود، وفي المقابل ستبقى كتل منظمة وفاعلة من اليهود المتدينين والحريديين قادرة على التأثير عبر انضباطها الانتخابي ووزنها الحاسم في سباقات محلية، في الرئاسيات القادمة قد لا يحسم اليهود وحدهم النتيجة لكن التمايز داخلهم سيجبر الحملات على اعادة صياغة الرسائل والتحالفات.
لذاك تقدم نيويورك اليوم المختبر الأبرز لهذا التحول العتيد، حيث يتعايش خطاب تقدمي غير مؤيد لإسرائيل مع خطاب ديني محافظ مؤيد بقوة لها داخل احياء لا تبعد كثيراً عن بعضها، هذا التوازي يشير الى ان معركة الاصوات القادمة رغم انها ستدور على جبهات نسب صغيرة لكنها قادرة على تغيير اتجاه الريح.
