تُعدّ النظرية الواقعية من أقدم وأهم نظريات العلاقات الدولية، إذ تنطلق من فرضية أساسية مفادها أن النظام الدولي يخضع لمنطق القوة والمصلحة الوطنية، وأن الفاعل الأساسي في هذا النظام هو الدولة التي تسعى إلى تعظيم قدرتها وحماية مصالحها في ظل بيئة يسودها الصراع وانعدام الثقة. وقد برزت هذه النظرية بوضوح في الفكر السياسي الأمريكي المعاصر، لا سيّما في فكر الرئيس دونالد ترامب ، الذي جسّد في سياساته ومواقفه التطبيق العملي للواقعية السياسية.
يرى المنظّر الكلاسيكي هانز مورغنثاو (Hans Morgenthau) أن القوة هي “العملة الأساسية في العلاقات الدولية” وأن الدول لا تسعى إلى تحقيق الأخلاق بقدر ما تسعى إلى تحقيق المصلحة الوطنية. وقد تجسّد هذا المبدأ في سلوك ترامب الذي جعل من القوة شعارًا لسياسته الخارجية، حيث رفع شعار “السلام من خلال القوة” (Peace Through Strength)، معتمدًا على منطق الردع والهيمنة لتحقيق الأمن القومي الأمريكي.
اعتمد ترامب على أنماط مختلفة من القوة بحسب طبيعة الدولة المقابلة وموقعها من المصالح الأمريكية. فـمع الصين استخدم القوة الاقتصادية عبر فرض الرسوم الجمركية والعقوبات التجارية للحد من تفوقها الصناعي والتجاري. أما مع روسيا، فقد مارس القوة السياسية والاقتصادية من خلال العقوبات والضغوط الدبلوماسية. وفي منطقة الشرق الأوسط، وبسبب ضعف القدرات العسكرية لغالبية الدول العربية، لجأ إلى القوة الصلبة عبر إسرائيل كأداة تنفيذية، إلى جانب استخدامه سياسة الترغيب والترهيب (العصا والجزرة) في تعامله مع الأنظمة العربية، مستندًا إلى التفوق العسكري الأمريكي والدعم المشروط.
وفي الوقت الذي دعا فيه المفكر الأمريكي جوزيف ناي (Joseph Nye) إلى استخدام ما يُعرف بـ”القوة الذكية” (Smart Power) التي تمزج بين القوة الصلبة (العسكرية والاقتصادية) والقوة الناعمة (الثقافية والدبلوماسية)، فإن ترامب لم يبد اهتمامًا بهذا التوازن، بل ركّز بشكل أكبر على القوة الصلبة، معتمداً على منطق الردع والهيمنة، وهو ما يتماشى مع المدرسة الواقعية التقليدية.
يتضح إذًا أن مفهوم القوة لدى ترامب مرن ومتعدد الأبعاد، لكنه يظلّ المحور الذي تدور حوله سياساته كافة. ويتجلى هذا المفهوم في خطاباته السياسية، وتصريحاته الإعلامية، وحتى في أسلوبه الشخصي القائم على العنجهيّة والتحدي، ما يعكس تمسكه العميق بالنهج الواقعي في التفكير والعمل.
وعليه، يمكن القول إن مرحلة ترامب الرئاسية كانت تجسيدًا عمليًا للنظرية الواقعية السياسية، حيث أصبحت القوة شعارًا ووسيلة وغاية في آنٍ واحد. وبالتالي، فإن فهم سلوك ترامب السياسي واستشراف توجهاته المستقبلية لا يمكن أن يتم بمعزل عن هذه النظرية التي تفسر سلوك الدول من منظور القوة والمصلحة القومية، بعيدًا عن الاعتبارات الأخلاقية أو المثالية.
