د.محمد سليمان فايد : تعيش الولايات المتحدة الأمريكية منذ أيام على وقع موجة احتجاجات غير مسبوقة ضد الرئيس دونالد ترامب، رفعت شعارًا لافتًا: “نو كينغز” – لا للملوك، في إشارة إلى رفض ما يصفه المحتجون بـ”النزعة السلطوية” التي تطبع إدارة الرئيس الجمهوري.
وقد تحولت هذه التحركات إلى ما يشبه انتفاضة مدنية شاملة تمتد من العاصمة واشنطن إلى أصغر بلدات مونتانا، وسط تساؤلات متزايدة: هل يمكن أن تكون هذه الموجة بداية النهاية السياسية لترامب من الداخل؟
انطلقت الدعوة إلى الاحتجاج قبل أسابيع عبر تحالف من منظمات يسارية وحركات شبابية معارضة، نظم بعضها مظاهرات مماثلة في يونيو الماضي، بالتزامن مع العروض العسكرية التي أقامها ترامب في واشنطن. ومع اتساع نطاق الدعوة، أعلن المنظمون عن إقامة أكثر من 2,500 فعالية احتجاجية في يوم واحد، تغطي جميع الولايات الخمسين، لتصبح واحدة من أوسع التحركات الشعبية في التاريخ السياسي الأمريكي الحديث.
الاحتجاجات التي حملت لافتات كتبت عليها شعارات مثل “لا ديكتاتورية بعد اليوم” و”الديمقراطية ليست ملكية”، خرجت لتؤكد – بحسب منظميها – أن النظام الجمهوري الأمريكي “لا يحتمل فكرة الملك أو الزعيم الأوحد”، وأن ممارسات ترامب في الحكم “تتجاوز روح الدستور الأمريكي” وتكرّس سلطة الفرد على حساب المؤسسات.
وفي رد فعله الأول، قلّل ترامب من شأن هذه التحركات خلال مقابلة مع قناة “فوكس نيوز”، قائلاً بسخرية: “ملك! هذا ليس تمثيلًا. كما تعلمون – يشيرون إليّ كملك. أنا لست ملكًا.”، لكنه عاد ووصف المتظاهرين لاحقًا بأنهم “يكرهون أمريكا” ويحاولون “زعزعة استقرار البلاد قبل الانتخابات المقبلة”.
المفارقة أن هذه الاحتجاجات لا تقتصر على الداخل الأمريكي فحسب، إذ شهدت مدن أوروبية مثل برلين ومدريد وروما تظاهرات تضامنية، ما أضفى عليها بعدًا رمزيًا عالميًا ضد ما يعتبره المنظمون “المدّ الشعبوي اليميني” الذي يقوده ترامب في الغرب.
علميًا، يرى باحثون في الشؤون السياسية أن الاحتجاجات الحالية تحمل دلالات اجتماعية وسياسية عميقة، كونها تعبّر عن تصاعد الشعور بالقلق من “تآكل الديمقراطية الأمريكية”، في ظل تركّز السلطة التنفيذية وازدياد الاستقطاب الحزبي. كما تشير استطلاعات رأي حديثة أجراها مركز “بيو” للأبحاث إلى أن أكثر من 58٪ من الأمريكيين يعتقدون أن إدارة ترامب تميل إلى الحكم الفردي، وأن الديمقراطية الأمريكية “تتعرض للخطر”.
مع ذلك، يستبعد معظم المحللين أن تمثّل هذه الموجة نهاية فورية لترامب، الذي ما زال يحظى بقاعدة جماهيرية صلبة داخل الحزب الجمهوري. إلا أن استمرار الزخم الشعبي واتساع رقعة الاحتجاجات قد يضعف صورته دوليًا ويؤثر في موقعه التفاوضي والسياسي داخليًا، خاصة إذا استمرت هذه التحركات حتى العام الانتخابي المقبل.
وهكذا، يبدو أن شعار “لا للملوك” قد تجاوز كونه صرخة احتجاجية، ليصبح اختبارًا حقيقيًا لمتانة الديمقراطية الأمريكية نفسها، ولقدرة ترامب على الصمود أمام عاصفة الغضب الشعبي التي تهزّ البيت الأبيض من الداخل.
